منتدى زهر البيلسان .... تعارف ، دردشة ، ثقافة ، رياضة ، تكنولوجيا .... منتدى زهر البيلسان
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

 

منتدى زهر البيلسان      أهلاً وسهلاً بكم في منتدى زهر البيلسان ... تعارف ، دردشة ، ثقافة ، تسلية ، أدب ، رياضة ، فن ، تكنولوجيا  ... زهر البيلسان ... دعوة إلى صفاء الذهن والقلب        منتدى زهر البيلسان
هذا المنتدى برعاية مركز جنى للاتصالات ... سوريا - السلمية - 0944229458 - 0992275919 ..... مركز الماهر للكمبيوتر ... سوريا - السلمية ... 033840585 / 0988213006

زوروا منتدى الماهر للكمبيوتر والتقنيات صديق زهر البيلسان ... بالضغط هنا

 

للإعلان في منتدى زهر البيلسان الاتصال على الأرقام : 00963944229458 - 00963992275919

شاطر | 
 

 مدخل الى الفلسفة المجتمعية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الفينيق أبو واجب



عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 08/11/2010
العمر : 26

مُساهمةموضوع: مدخل الى الفلسفة المجتمعية   الإثنين نوفمبر 29, 2010 9:15 pm

مما لا شك فيه أن وراء كل بحث فكري غاية . وغاية ا لمفكر هي إكتشاف ا لموجودات والأشياء وا لنواميس المؤدية الى طريق ا لحقيقة أملاً با لوصول الى تحقيق الإرتياح ا لنفسي ا لذي يُولد ا لإطمئنان والأمان ، ويطرد عوامل ا لقلق ، ويعالج أسباب ا لحيرة ا لتي تراودا لعقل وا لفكر وتتحكم با لمشاعر والأحاسيس .

ومن ا لطبيعي أنه بإكتشاف طريق ا لحقيقة يتخلص ا لمرء من حيرة تراوده، ويخرج من دوامة شك تزعزع تفكيره، وينتقل من حالة ا لغموض والإبهام ا لمربكة الى حالة من ا لوضوح وا لجلاء مطمئـِة.

لكل ماتقدم . نجد أنفسنا ملزمين با تباع منهج سوي واضح يساعدنا على إكتشاف نقطة ا لبداية ، أو قاعدة الإنطلاق ، إذا صح ا لتعبير تتيح لنا أن نبدأ بداية سليمة ذات أساس سليم ، ننطلق منها بوعي وفهم وتصميم باتجاه مدخل ا لفلسفة ا لمجتمعية ا لتي نحن بصدد ا لتعريف بها وا لتعرف اليها ، وا لتي نرى فيها أفضل وسيلة لإنقاذ مجتمعنا مما يتخبط فيه من ا لويلات وا لمآسي وا لمعوقات والأمراض الإجتماعية وا لنفسية......

وهذا لا يمكن ا لوصول اليه إلا باعتماد وإتباع نهج علمي معرفي واقعي عملي بعيد عن الأهواء والآراء الإعتباطية، واا لتصورات ا لذهنية ا لمريضة ، وا لتكهنات والإستذواقات والإستنسابات ا لتي لا تؤدي في ا لنهاية إلا الى ا لتيه وا لضلال وا لغموض.

المعرفة أم جميع ا لحقائق

يؤثر عن ا لفيلسوف زينون ا لرواقي أنه قا ل : ( إن لنا لساناً واحدا وأذ نين )1 . ومن هـذا نفهم أن علينا أن نسـمع أكـثـر مما نتكلم . وقا ل أيضا : ( إن ا لفلاسفة لا يـُجـذبون إلا َّ من آذانهم ).

2

يستفاد من هذا ا لكلام ا لحكيم أن لأدوات و وسائل ا لمعرفة أولويات ومراتب وبديهيات . فلا يُقدم ا لقول على حساب السمع . ولا يؤثر ا لسمع على حساب ا لرؤية وا لنظر.

ولا تستبدل حاسة ا لذوق بحاسة ا لشم. ولا حاسة ا لشم 2 بحاسة ا للمس . كما لا يليق بنا أن نتكلم حين يتطلب منا أن نصمت ونسمع . وأن لا نصمت في ا لوقت ا لذي ينبغي علينا فيه أن ننطق ونتكلم . وأن لا نتهرب من مواجهة الأمور حين يستلزم منا أن نواجه ونتخذ موقفا . بل إن ا لكلام ا لحكيم هو ا لذي يُعلـِّم ويهدي وينفع . وقد قال الـزعـيم الـمـعـلم أنطون سعاده : " ا لعلم ا لذي لا يفيد كـالجـهالة ألتي لا تضر ." 1

نستطيع إذن با لمعرفة ا لهادية ا لنافعة أن نلج باب بحثنا هذا ونهتدي الى نقطة ا لبداية والإنطلاق . با لمعرفة نكون أقوياء . وبا لمعرفة يرقى فكرنا وتنجلي ا لحقيقة ا لتي نسعى اليها . ونصل الى حيث ينبغي أن نصل في عالم يعج با لغموض وا لبلبلة وا لظنون وا لشكوك .

تستلفت إنتباهنا عبارة كتبت فوق مدخل معبد " عبدارة"ا لذي أشاده ا لكنعانيون ا لسوريون ا لقدماء ا لذين عرفوا با لفينيقيين الأسم ا لذي أطلقه عليهم ا ليونان، وا لذين سُميَّ أتباعهم فيما بعد " بالسفسطائيين ا لعبارة ا لتالية : " أيها الإنسان اعرف نفسك . " وقد نسبها ا لكثيرون للفيلسوف ا ليوناني سقراط ا لذي تتلمذ على أيدي معلميه ا لكنعانيين دون أن يكون له ذنب إدعـاء نسبة ا لعبارة ا لمذكورة اليه .

وعلى كل حال فإن ما يهمنا هنا هو أن ا لمعرفة الأنسانية هي ا لوسيلة ا لوحيدة ا لواضحة التي تعيننا على اكتشاف الحقيقة ـ ا لقيمة وتقريرها .ومن ا لمحال أن تقوم حقيقة إنسانية من غير ا لمعرفة ا لإنسانية .إن ا لمعرفة الإنسانية هي با لفعل أم جميع ا لحقائق ا لإنسانية .

الحقيقة هي قيمة إنسانية

يقول ســعـاده : " إن ا لحقيقة هي قيمة فكرية تحصل في ا لعقل أو ا لضمير بواسطة ا لمعرفة فقط . "1

نستنتج من هذا ا لقول أنه لا يكفي أن يكون ا لشيء غير ا لعاقل موجوداً في ذاته لتتكون قيمة حقيقته الإنسانية.

بل إن إفتراض ا لمجهول حقيقة هو ظن ونوع من التخمين وهو أبعد ما يكون عن ا لحقيقة الإنسانية ا لتي لا يمكن أن تكون أو تقوم إلا بقطبيها : ا لوجود وا لمعرفة . " إذ 3 " ليس من ا لعقل وا لحكمة أن نمجد أشياء ليست موجودة."2

على حد تعبيرا لفيلسوف ا لكنعاني ا لسوري زينون ا لرواقي.

إن كل وجود خضع للمعرفة ا لإنسانية وانتقل من ا لمجهول الى حالة ا لمعلوم أصبحت له قيمة في وجدان ا لإنسان ا لعالم به وبهذه ا لمعرفة وبهذه ا لحالة وبهذه ا لقيمة أصبح حقيقة .

أما ا لكلام عن الأشياء وا لوجودات ا لكونية والأسرار وا لنواميس ا لخفية ا لإفتراضية ا لتي لم يتم إكتشافها بعد ،ولم تخضع لدائرة وعي الإنسان فهو كلام عن أشياء لا تزال في حالة مبهمات وليس كلام عن وجودات مكتشفة ومعروفة اكتسبت باكتشافها ومعرفتها قيمة ا لحقائق . وهي لذلك لا يمكنها أن تحل مكان ا لحقائق لأن أساس ا لمبهمات هو دائرة المبهم وا لغموض بينما أساس ا لحقائق هو في الوضوح وا لتعيين .

الوضوح هو قاعدة كل حقيقة

كل معرفة لا تستند ولا ترتكز على برهان عملي ، ووجود فعلي ليست بمعرفة علمية عملية بل هي تستند الى الإفتراض وا لتكهن . ومهما ارتقت مرتبة ا لإفتراض لا يمكن أن تكون أساسا ً لوعي ســليم ، أو مرتكز ا ً لمعرفة صحيحة ، أو قاعدة متينة لقيام أية حقيقة ــ قيمة .

إن ا لوضوح هو ا لحالة ا لمثلى التي تساعدنا وتمكنـنا من ا لوقوف على معنى حقيقة ا لفلسفة ا لمجتمعية المادية ــ الروحية وفهمها فهماً راقيا صحيحا يحملنا على ممارستهاحياة ونمواً وتقدما ورقيا. لا قيمة إنسانية مطلقا لأي مبهم.

ولا معنى لأية حقيقة إفتراضية إن لم تخرج الإنسان من ظلمات مفاهيم ا لغرائز وا لأوهام وا لأهواء الى نور مفهوم الوضوح وا لجلاء وا لتحديد .ولا نفع بالتالي من كل ا لقيم وا لحقائق ا لتي تخرج عن سير وأ طوار نشوء ا لإنسان وتطوره ومراتب وعيه ومستوى رقيه .

إن ا لوضوح هو ا لذي يهدينا الى بداية ا لبدايات وأولى ا لخطوات ا لتي نهتدي بوسطتها الى معرفة قيمة ا لحقيقة الإنسانية . إنه :" معرفة الأمور والأشياء معرفة صحيحة.إنه قاعدة لا يستغنى عنها . ولا بد من إتباعها في أية قضية للفكر الإنساني . وللحياة ا لإنسانية. "

4

وللإفادة من بحثنا لا بد لنا من يقظة روحية تخلصنا من غفوة تاريخية طال أمدها ، واستفحل أمرها فحجبت عنا الرؤية ا لسليمة ا لواضحة وا لسمع ا لسليم, وكبلت ا لعقل وبلبلت ا لتفكير فوجب علينا قبل كل شيء تمزيق الحجب ، وتحرير ا لعقل ، وإطلاق ا لمواهب ، وا لتخلص من واقع ا لتخلف والإنحطاط لننتقل الى حالة ا لتنبه والوعي وا لرقي وعندها يتعافى نظرنا وسمعنا وتفكيرنا وتبصرنا فترتقي أنماط عيشنا و ومستويات حياتنا وخطط فكرنا ، فنرى ونسمع ونعقل ونتصرف كما ينبغي با لإنسان ا لعاقل ا لراقي ا لمتبصر أن يرى ويسمع ويعقل ويتصرف.

وعندها لا نتيه ولا نقع في ا لأخطاء التي وقع فيها كثير من ا لفلاسفة ا لنظريين ا لتجريديين كا لتساؤل عن ماهية ا لكون ، وا لعدم ، وما قبل ا لحياة ، وما بعد ا لموت ، وما وراء ا لوجود ، وا لمصير ، وا لفناء وغير ذلك..

لأنه ينبغي قبل أن " نوضح أحجية ما هو ا لكون ؟ أن نوضح سؤالا أسبق ما هو الإنسان نفسه ا لذي أخذ على عاتقه حل أحجية ماهية ا لكون . "*

وبهذا ننتقل من عهود الإيمان بالأوهام وا لخوارق الى عهد ا لوضوح وا لمعرفة وا لثقة وا لحقائق وا ليقين .

فوضى المفاهيم

مع أن ا لحقيقة ـ ا لقيمة هي واحدة لا ثنائية فيها ولا تعد د، ومع أنها في ا لمطاف الأخير تمثل ا لتوافق ا لطبيعي مع واقع ا لحياة الإنسانية ا لمادية ـ ا لروحية في نشوئها وتطورها وارتقائها لا في تجمدها وانحطاطها وتقهقرها، ولا يجوز أن تكون غير ذلك واقعا وتكوينا ، فقد تباينت بصددها ا لنظرات ، واختلفت في تفسيرها ا لنظريات على مرور ا لزمان ومسارح ا لمكان ،ومستويات ا لثقافات، وتعدد ا لمفاهيم حتى ظهرت تحديدات وتعريفات متضاربة ومتعاكسة ومتناقضة تتصارع وتتنازع في مذاهب شتى .

وكل مذهب فكري يدعي لنفسه صحة وصوابية اعتقاده أو كل جماعة تحتكر ا لصواب لنفسها في ا لتفسير والشرح وا لتأويل ومواجهة ا لمشاكل الإنسانية مما سبب وأدى الى فوضى في ا لمفاهيم،وبلبلة في تعيين ا لحقائق .

5

إن حقيقة الإنسان هي واحدة في كل مكان وزمان وفي جميع ا لشعوب، أما ا لمختلفون في فهم هذه ا لحقيقة فإنهم كـُثـُر.

وكثرة ا لمختلفين في مستويات معارفهم وعلومهم ومفاهيمهم أدت وما تزال تؤدي الى تعدد التعريفات وتضارب ا لمفاهيم .وا لحقيقة أن هذا ا لتضارب والإختلاف هو شيء طبيعي لا يجوز ا لتنكر له . وبتقديرنا فإن هذه ا لحالة من فوضى ا لمفاهيم وتضاربها وصراع الأفكار سوف تستمر كما كانت في ا لماضي الى أمد بعيد ليس له أفق منظورإلى أن يستكمل ا لتفاعل مداه في قلب ا لمجتمع، والى أن يتم فعل ا لدورة ا لحياتية ا لتامة في وحدة الأمة وتكتسب شخصيتها الإجتماعية في وجدان قومي عام يتجلى في ثقة ا لجماعة بنفسها وفي وحدة مصلحتها ، ووحدة ارادتها ،ووحدة ا لنظر الى مـُثـُلها ا لعليا ، ووحدة ا لصراع من أجل تقدمها وارتقائها على ا لصعيد ا لقومي ا لإجتماعي الانساني .وسوف يستمرا لصراع أيضا الى ان ينتهي تصادم مصالح ألأمم في انتصارتفاعل ثقافاتها لما فيه خير الإنسانية جمعاء فتصل ا لبشرية بحضارات وثقافات أممها وشعوبها ومفاهيمها ا لروحية ـ ا لمادية الى ا لمستوى ا لذي يؤهلها الى إقامة وبناء عا لم جديد تتشارك وتتعاون في إشادته وترسيخ دعائمه جميع الأمم وا لشعوب ا لتي نشأت وتطورت وتمدنت ونهضت وارتقت على هذا ا لكوكب الذي نعيش عليه.

العالم ا لجديد خلاصة تفاعل ا لمعارف

إن قيام ا لعالم ا لجديد هو نتيجة واقعية وطبيعية وعملية لتفاعل حضارات ومعارف وثقافات ا لأمم ، ورقي صراع أفكار خواطر عباقرتها ونوابغها ، وليس نتيجة لحروب ا لشعوب واقتتالها وتصادم ثقافاتها وتخلف معتقداتها وطقوسها ، وتخريب ودمار عمرانها .

6

وانطلاقا من مسؤولية إقامة عالم حضاري جديد راقي تكون فيه أمتنا عنصرا أساسياً فاعلاً في تكوينه وتركيبه وقيامه نهوضه وتقدمه . نرى أن من أولى واجباتنا أن ننهض بمسؤوليتنا ، ونقوم بدورنا على أحسن ما يكون في إغناء كر الإنسانية ا لجديدة ، وإيضاح أبعاد فلسفة ا لتفاعل ا لموحد ا لجامع لقوى ا لإنسانية ا لتي تقول بالإنسان ـ ا لمجتمع وليس نسان ـ ا لفرد أو إنسان ـ ا لطبقة أو إنسان ـ ا لطائفة او إنسان ـ ا لفئة أو إنسان ـ ا لروح أو إنسان ـ ا لمادة . وهي التي تعتبر أن أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس مادي ـ روحي أو روحي ـ مادي أي مدرحي دون ثنائية . وتقول أيضا أن ا لمجتمع معرفة وا لمعرفة قوة . وتعتبر أن ا لعالم ا لذي ينبثق وينشأ ويتكون ويتركب من مجتمعات ا لمعرفة ورقيها هو حتماً غيرا لعالم ا لذي ينبثق وينشأ ويتكون من مجتمعات ا لجهالة والإنحطاط ا لنفسي وا لفكري .لأن تفاعل ا لمعارف هو غير تصادم ا لجهالات. ونتاج ا لتفاعل ا لمعرفي هو غير نتاج ا لتصادم ا لجهالي.

لقد استفحل خطر الفلسفات ا لجزئية ا لمادية منها وا لروحية، واستفحل بالتالي خطر المفاهيم وا لنظريات ا لمتضاربة المنبثقة عن تلك ا لفلسفات ا لجزئية ، وأصبحت تنذر وتهدد بكارثة حقيقية ستكون من أعظم ا لكوارث إذا لم تتداركها وتقوم ا لعقول ا لنيّرة وا لمواهب ا لخيّرة بمساهمة جدية في وضع حد لخطر تلك ا لفلسفات وا لمفاهيم على حياة الأمم ومصير ا لعالم الإنساني.

نظرتنا ا لفلسفية ا لشاملة

1- وجودية ا لفلسفة ا لقومية الإجتماعية ا لدنيوية

إن نظرتنا الى ا لحياة وا لكون وا لفن هي نظرة دنوية بالمعنى الإجتماعي ا لحياتي ، وليس نظرة أخروية بالمعنى ا لماورائي الغيبي . إنها تقرر من ا لبداية : " ا ننا لسنا من ا لذين يصرفون نظرهم عن شؤون ا لوجود الى ما وراء الوجود بل من الذين يرمون بطبيعة وجودهم الى تحقيق وجود سام جميل في هذه ا لحياة ، والى استمرار هذه ا لحياة سامية جميلة . "

وهذا يعني بما لا مجال فيه للشك أننا لا نتنكر لعالم ا لغيب أو عالم ا لماوراء بل اننا نفضل أن نصرف جهودنا ونركزها على تحسين وجودنا وترقية مستوى حياتنا لنتمكن بتطورنا وتقدمنا من الإطلال على مشارف أعلى وأرقى من ا لكون ا لماثل أمامنا . لأننا نعتقد جازمين أن من لا يستطيع ان يتعرف على دنياه بما فيه الكفاية لا يتمكن مطلقاً من ا لتعرف على عا لم ا لغيب الماورائي ا لسابق لوجوده أو ا للاحق لإرتحاله عن هذا ا لوجود .

7

إن نظرتنا ا لدنوية لا ترفض ا لنظرة ا لأخروية ، بل تترك شؤون ماوراء ا لوجود ا لإنساني للذين يعملون في هذا ا لمجال . وتعتبر نفسها من حيث عملها في تحسين ا لوجود الإنساني إنها تسير بخطى حثيثة نحو إكتشاف ا لمزيد من ا لنواميس الكونية ا لتي ما تزال محجوبة عن دائرة وعي ونشاط ا لإنسان وفاعليته .

وهي في ا لوقت نفسه تساهم مساهمة كبرى في تهيئة وإعداد الناس وتعميق وترقية مفاهيمهم لأدراك ا لمسائل الكبرى ا لتي تختص بما قبل ا لحياة ا لإنسـانية وما بعدها ، فتتفهم حكمة الله ا لخالق في الخلق والبعث والنشور على غيرما استذوقه واستنسبه ودعا اليه ا لجاهلون ا لمعاندون.

فـالله ا لذي وهبنا ا لعقل لم يهبنا إياه عبثاً لنلهو، و نتسلى ، ونلعب . وانما وهبنا ا لعقل لنعمل به ونرقي ونسمو " وهل يستوي ا لذين يعلمون وا لذين لا يعلمون؟"*إننا ندرك تماما أهمية عدم ا لفصل بين مسائل ا لوجود واللاوجود . ومسائل الماقبل ومسائل ا لراهن ومسائل ا لمابعد . ولأننا ندرك ذلك فينبغي علينا أن لا نخلط الأمور فيما بينها . علينا أن نتجنب ما

أمكن خلط ا لوجود با للاوجود ، وخلط ا لماقبل با لمابعد لئلا تختلط علينا أمور ا لدنيا بأمور ما بعدها . وأمور ا لغيب بأمور ا ا لعلن . فنتيه في صحراء ا لسراب ، ولا نصل أبداً الى ما ينفعنا لا في هذه ا لدنيا و لا في ما بعدها . ا لنظرة الى ا لحياة والكون با لمعنى الإجتماعي شيء . وا لنظرة الى ما بعد ا لحياة وما وراءها با لمعنى ا لديني ا لغيبي شيء آخر.

إننا نرى انه لا يضير ا لنظرة الإجتماعية الى ا لحياة وا لكون أن تقتصر على شؤون ا لحياة ا لدنوية أي شيء ، كما أنه لا يقلل من أهمية ا لنظرة ا لماورائية أن تنصرف الى شؤون الآخرة ومصير ا لنفوس . بل إن ا لنظرتان ا لنظرة ا لوجودية ا لحياتية وا لنظرة ا لماوراء وجودية ا لغيبية ضروريتان ومهمتان للكائن الإنساني ليعيش في هذه ا لدنيا عزيزاً كريماً وعلى مصيره ا لذاتي بعد موته مرتاحا ومطمئناً . على ضوء هذه الحقيقة نفهم موقف ا لنظرة ا لقومية الإجتماعية الى ا لحياة وا لكون وا لفن حين اعتبرت ان حرية ا لمعتقد حقاً مـقـدسـاً للأفراد . يجهرون به ، ويمارسونه بكل حرية شرط إحترام عقائد الآخرين وعدم الإضرار بهم .

8

لأنها ترى أنه ما أعطيَ لأحد أن يهين كرامة أحد ، وليس من حق أحد من ا لناس كائنا من كان أن يـُكر ِه أحداً على حب شيء أو يجبرَ أحداً علىبغض شيء .فا لنظرتان يمكنهما أن تكونا، بل يجب أن تكونا جنباً الى جنب في تناغم وانسجام وليس في عداء لأنهما تلامسان وتتناولان أعماق ا لكائن ا لإنساني رغداً وطمأنينة .

فإذا كانت ا لنظرة ا لمجتمعية ا لقومية الإجتماعية تهتم بحياة الإنسان ـ ا لمجتمع في هذا ا لوجود ، وتحسين هذه ا لحياة وترقيتها. فإنها لا تتناقض أبداً ، ولا يجوز أن تتناقض مع نظرة غيبية دينبة تهتم بمصير الإنسان بعد ا لموت ، وتجتهد بزرع المباديء ا لمناقبية من أجل راحة ا لنفوس ، وربح ا لحياة الأبدية الأخروية . لأن لكل نظرة من ا لنظرتين دائرتها وآفاقها.

أن النظرة ا لدينية ما كانت ، ولم تكن لتناقض واقع ا لحياة بل كانت لتشريف ا لحياة ، ولتحسين ا لخليقة ، وتعميم ا لعدل والإحسان وا لخير بين ا لناس ومحاربة ا لظلم وا لباطل وا لشر.

لقد فصلت وميزت بين ماهو ديني وما هو دنيوي ، ولم تحكم على مسائل ا لدنيا بمنظار الدين ، ولا مسائل ا لدين بمنظار الدنيا ، بل حكمت بالقسط وا لعدل فكان تحسين ا لحياة للناس.

وكانت طهارة ا لدين وقدسيته لله. و وحسمت الأمر على لسان ا لسيد ا لمسيح با لقول ا لسديد : " أوفوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. " ليأتي بعد ذلك ا لقول ا لحكيم في الآية ا لقرآنية:" و ابتغ ِ فيما أتاك الله ا لدار الآخرة ، و لا تنسـى نصيبك منا لدنيا. وأحسن كما أحسن الله إليك ، ولا تبغ ِ ا لفساد في الأرض إنَّ الله لا يحب ا لمفسدين . "

فإذا وجدنا ا ليوم ا لكثيرين من ا لمتدينين ينعتون أصحاب ا لنظرة ا لإجتماعية ا لقومية الى ا لحياة وا لكون وا لفن با لكفر والإلحاد ، فلأنهم لم يضطلعوا على حقيقة تلك ا لنظرة ، ولا على حقيقة ا لواقع الإجتماعي ـ الإقتصادي ـ ا لسياسي ،ولم يفهموا رسالة دينهم ا لحقيقية ا لتي تقوم على ا لمحبة وا لرحمة ، وتهدف الى تطهير نفوس ا لناس من كل فساد ، وما الأنبياء بحسب ما ورد في ا لقرآن إلا رحمة للعالمين .

ومثل أولئك ا لمتدينين هو تماماً كمثل ا لمتمخرقين ا لمتفذلكين ا لمدعين ا لعلمانية وا لتقدمية زوراً وباطلاً ا لذين يتهمون كل من يصلي لله ويناجيه ، ويعمل بتعاليم رسله، با لتخلف وا لجهل وا لمسكنة وا لغباء .

9

إن سبب ذلك هو ان ا لفئتين لم يفهموا جيداً حقيقة ا لوقع الإجتماعي ولا حقيقة رسالة ا لدين . إنهم حكموا على ا لدين بمنظار ا لسياسة والإقتصاد ، وحكموا على ا لعباد ا لصالحين ا لممارسين لتعاليم دينهم بمنظار ا لجهل وا لحزبية ا لضيقة ا لخانقة ، فضلوا ضلالاً بعيداً . فلا هؤلاء ولا اولئك كانوا من ا لعالمين ا لمهتدين ا لصالحين.

والويل كل ا لويل لمجتمع يحكمه ويتحكم فيه ا لجهلة وا لمتجاهلون ومرضى ا لعقول وا لنفوس وا لقلوب وا لضمائر ." ولا تهدي من أحببت إن الله يهدي من يشاء . " *

بكلمة موجزة نقول : انه لا غنى لطلبة الآخرة عن ا لدنيا ، فا لدنيا هي ا لطريق الى الآخرة . فمن أراد آخرة كريمة فليعمل ليكون كريماً في دنياه ، وليكن صادقا مع نفسه ومع الآخرين ، وليقم بوا جبه نحو نفسه ونحو مجتمعه أيضاً . فمن أحيا نفسه، فقد أحيا مجتمعه ومن أحيا مجتمعه فقد سار على طريق إحياء الإنسانية جمعاء وكان من ا لذين ظفروا بحب ورضى رب ا لعالمين .

ونقول أيضاً : انه لا مهرب لطلبة ا لدنيا من الآخرة . فالآخرة هي ما لا يستطيع ا لهرب منها أحد " ويدرككم ا لموت ولو كنتم في بروج مشيـَّـدة . "

ولأن الآخرة كذلك ، فإن ا لحكمة ا لبالغة تقضي بأن يختار ا لمرء آخرته بنفسه وهو على قيد ا لحياة قبل أن تفاجئه آخرته فيخسر ا لحياتين : حياة ا لوجود وحياة ما بعد ا لوجود .

فوجودنا الإجتماعي وحياتنا الأخروية هما ما نحن ، وما نكون ، وما سنكون بأعمالنا وممارستنا وانتاجنا وصراعنا في هذا ا لوجود ا لذي هو نقطة ا لبداية والإنطلاق لأي وجود آخر يمكن أن يكون بعده أو وراءه . فهذا ا لوجود هو ساحة عملنا ، ومختبر صلاحنا وفيه نترك أرثـنا وتراثنا لأجيالنا . وفيه أيضا تكون شهادة رضى الله أو سخطه علينا .

إن ا لوجود با لنسبة للنظرة الإجتماعية ا لقومية الإنسانية الى ا لحياة وا لكون وا لفن هو على ثلاثة أنواع :

النوع الأول هو الوجود ا لظاهر ا لمكشوف للإنسان .

وا لنوع ا لثاني هو ا لوجود ا لممكن إكتشافه ومعرفته والإ طلاع عليه .

أما ا لنوع ا لثالث فهو ا لوجود ا لمستحيل اكتشافه ومعرفته والإحاطة به من قبل الإنسان لأنه أبعد وأعمق وأشمل من أن يحيط به عقل بشر .

هذا هو ا لوجود ا لماورائي او ا لماوراء وجودي ا لذي لا يخضع لعلم مخلوق ، بل يخضع فقط لعلم الله ا لخالق ا لعليم ا لقدير ا لذي أوجد هذا ا لكون ا لماثل أمامنا ولا يعلم خفاياه ونواميسه وأسراره إلا هـو .

10

إن نظرتنا الإنسانية الإجتماعية تنحصر با لنوعين الأولين :ا لوجود ا لظاهر ا لمكشوف ، وا لوجود ا لذي لم يتسنى لنا اكتشافه بعد ويمكنـنا اكتشافه .

أما ا لنوع ا لثالث ا لذي يتعلقبا لوجود ا لمستحيل اكتشافه من قبل الإنسان فإنـنا نقر ونعترف أن قدرتنا الإنسانية وأهليتنا وامكانيتنا غير جديرة بتناوله ، وفك رموزه . بل إن تناول هذا النوع من ا لوجود هو ضرب من ا لمحال . ونوع من ا لتكهن وا لتخمين وا لظن لا يجني ا لخائض فيه إلا ا لمزيد من ا لتخرص وا لوهم وا لضياع . وهل أصدق من ا لقرآن ا لحكيم حين قال: " يسألونك عن ا لساعة أيان مرساها ؟ قل علمها عند ربي . لا يجليها لوقتها إلا هو..."

وقد أوضح كاشف هذه ا لنظرة الى ا لحياة وا لكون وا لفن أن ا لعقيدة ا لقومية الإجتماعية ا لمنبثقة عن تلك ا لنظرة :

" لم تتعرض للدين وعقائده ا لدينية التي غرضها خلود ا لنفس بعد ارتحالها من هذه ا لدنيا في مقامين مختلفين : ا لمقام الأول مقام ا لنعيم . وا لمقام ا لثاني مقام ا لجحيم . فمن أراد ا لنعيم ابتدأ ممارسة الإيمان ا لذي يعتقد انه يوصله اليه وهو بعد في هذه ا لدنيا ، فيهيء بهذه ا لطريقة خلوده في ا لنعيم . ومن أراد ا لجحيم ابتدأ يمارس ا لمعاصي وا لكفر . فلا ا لمؤمنون يذهبون الى ا لجحيم بكفر ا لكافرين . ولا ا لكافرون يذهبون الى ا لنعيم بإيمان ا لمؤمنين . وأما ا لذين لم يؤمنوا ولم يكفروا ، فا لبعض يقولون انهم يذهبون الى ا لجحيم . وا لبعض يقول ان حساب الله يقررلكل واحد منهم حسب أعماله إن خيراً فخيراً . وإن شراً فشراً . وما دام ا لحساب بيد الله ، فلنخفف قليلا ً مـن غلوائنا ، فلعل الله يريد غير ما يراه عباده . "

وقال ايضاً : " إن حركة ا لعقيدة ا لقومية الإجتماعية لم تمنع أحداً قط من إظهار معتقداته ا لفلسفية من أي نوع كانت في كتاباته . فيمكنكم ان تنشروا أفكاركم واستنتاجاتكم في ا لخلق وا لنشر وا لحساب، وليوافقكم على ذلك من شاء وليخالفكم من شاء.

11

2- مجتمعية ا لفلسفة ا لقومية الإجتماعية

فضلا عن وجودية ا لفلسفة ا لقومية ا لإجتماعية وواقعيتهاا لدنيوية يعنى إهتمامها بما في ا لوجود وليس بما هو خارج ا لوجو, فإنها تقول ب " إنسـان ـ مجتمع " وليس ب" إنسـان ـ فرد " باعتبار أن ا لفرد في حد ذاته جزء من ا لمجتمع إنوجد بوجود ا لمجتمع . ويعيش ويحيا ويمارس حياته ويكتسب شخصيته في إطار ا لمجتمع ومداه ، ويستحيل عليه ا لإستمرار وا لبقاء خارج ا لمجتمع . وإنـنا نجزم أن كل ما توصلنا ا ليه من معارف يبرهن ويؤكد على أن ا لكوكب ا لذي نعيش عليه هو من حيث تكوينه وجريانه واقع بيئات جغرافية . وأن ا لبشر متوزعزن في هذه ا لبيئات بشكل جماعات وشعوب . وأن أتم متحد إجتماعي بشري هو متحد الأمة ا لتي نشأت بتفاعل ا لجماعات وا لمجموعات ا لبشرية في ما بينها وفي ما بين الأرض ا لتي تعيش عليها في بيئتها . وقد كونت هذه ا لجماعات بفعل تفاعلها على مرور ا لزمن لكل جماعة شخصية إجتماعية . ووجدانا إجتماعيا . وعقلية إجتماعية , ونفسية إجتماعية أكسبتها بمرور ا لزمن صفات وميزات وخصائص ميزتها عن غيرها من ا لجماعات باستثتاء ا لصفات الإنسانية ا لعامة ا لتي تشترك بها مع غيرها من أبناء نوعها الإنساني . إن ا لإنسان ـ ا لمجتمع أو مجتمع الأمة هو ا لإنسان الكامل الأتم ا لذي هو ا لشعب ا لمتولد من تاريخ ثقافي طويل يعود الى ما قبل ا لزمن ا لتاريخي ا لجلي، وليس عصابة هنا ،أو فئة هناك ، أو طائفة هنالك ، أو عدد من أفراد في ناحية أخرى.

إن إنفراد كل جماعة أو فئة أو طائفة أو مجموعة في ا لبيئة ا لواحدة هو من الأمراض ا لمعرقلة وا لمعطلة لعملية الإنصهار ا لمادي ـ ا لروحي ا لتي تجعل للمجتمع ا لواحد عدة قضايا متضاربة متناقضة بدل قضيتها ا لواحدة ا لتي ينبغي أن تكون قضية سلامة وجودها ، وصلاح حياتها وقضية استمرار نموها وتقدمها وارتقائها، من جميع ا لوجوه ا لنفسية وا لفكرية والإقتصادية وا لسياسية وا لفنية ، ليتمكن ا لمجتمع بكامله من ا لتعامل وا لتعاطي وا لتفاعل وا لتواصل مع المجتمعات الأخرى ، لتوليد مجتمع ا لنوع الإنساني الذي هو في ا لحقيقة مجتمع مركب من مجتمعات الأمم ا لناهضةا لتي بلغت ا لمستوى ا لذي يؤهلها من الإشتراك في نشوء ا لإنسـان ـ ا لعالمي ويجعلها عنصراً أساسيا في تكوينه .

12

إن الإنسان ـ ا لعالمي ا لذي تكشف في ا لفلسفة ا لمجتمعية ا لقومية ا لإجتماعية والذي تسعى هذه ا لفلسفة وتعمل وتصارع من أجل نشوئه ونموه هو إنسان ا لمجتمعات ا لناهضة ا لمعافاة وليس إنسان ا لمجتمعات ا لمتخلفة ا لمريضة . إنه إنسان ا لمجتمعات ا لطبيعية . إتسان ـ الأمم ا لراقية وليس إنسان ا لحكومات وا لدول وا لمنظمات وا لتكتلات ا لطغيانية .

لقد رفضت هذه ا لفلسفة ا لتكتلات ا لفئوية ا لتجزيئية داخلالإنسان ـ ا لمجتمع ـ الأمة ، ورفضت أيضاً ا لتكتلات ا لتجزيئية الفئوية ا لطغيانية داخل الإنسان ـ ا لمجتمع ـ ا لعالم لأنه يؤدي الى خراب ا لعالم ودماره . إنها رفضت مجتمع الأسياد وا لعبيد داخل مجتمع الأمة ، ورفضت أيضاً مجتمع ا لطغاة وا لخانعين داخل مجتمع ـ ا لنوع الإنساني. وا لذي قبلته وتبنته وقالت به هو صراع ا لعقائد والأفكار وا لثقافات وا لعبقريات ا لمجددة حيوية ا لجماعات وا لشعوب والأمم با لمعارف ا لفاضلة ، وا لعلوم ا لمفيدة ، وا لفنون ا لجميلة، وا لمناقب ا لأصيلة، وا لفضائل ا لراقية ا لتي تبني ولا تدمر ، وتوحد ولا تفرِّق، وتـُعـِز ولا تـُذل ، وتـُرَقي ولا تـُحِط ، وتهدف الى تلاقي وتعاون ا لمجتمعات ا لناهضة على مساعدة غيرها على ا لنهوض من أجل ولادة ونشوء عقل بشري ممتاز قوامه عقليات الأمم ا لناهضة ا لمتمدنة . وذلك لمواجهة ا لكون ا لماثل أمامنا وسـبر أغـواره ، واكتشاف ما يمكن اكتشافه من ا لنواميس وا لقوانين ا لطبيعية ، بعقل مركب بشري بديع يعرف كيف يتعامل مع الأرض وا لجو وا لمناخ وا لبيئة وا لبحار مع ا لمحافظة على سلامة ا لكوكب ا لذي نعيش عليه ، وصلاح ا لكون ا لذي نحن جزء منه وفيه ، ولا وجود لنا ولا حياة ولا استمرار خارج نطاقه .

13

3- ا لفلسفة الوجودية ا لمجتمعية نقطة بداية وانطلاق

وليست نهاية مطاف

إن بداية ا لوعي وا ليقظة هي الأساس ا لذي ترتكز عليه نقطة ا لبداية وا لإنطلاق . فلا بداية سليمة وواقعية وعملية بغير وعي . وكل فكر أو قول أو عمل أو حركة أو سلوك أونهج أوتصميم بدون ا لوعي هراء في هراء ، وهباء في هباء، ومضيعة للوقت وا لجهد .

ولأن هذه ا لفلسفة هي وعي جديد لم يكن مألوفا من قبل فإنها تشكل نقطة ا لبدا ية والإنطلاق،وهي في ا لوقت ذاته حلقة من حلقات ا لفكر الأصيل وخطط ا لنفسية ا لراقية في أمتـنـا ا لتي تـُعـَبـَِر عن حيوية ا لعقل ا لمنفتخ ا لخلا َّق ا لذي لـم يقف مشلولاً عاجزا مشدوها أمام عظمة ا لكون ، بل تعاطى معه بنبوغ وعبقرية فأبدع ا لشراع وا لشرع, وا لدين والتمدن واستنبات ا لأرض وتدجين ا لحيوان وعمار ا لمدن وكتابة ا لأساطير وا لشعر وا لرسم وا لموسيقى وا لغناء والرقص وكل فن جميل يساعد على سمو ا لحياة . فكان شعبنا بكل هذه الإبداعات أول من فلسف الأسطورة قبل أن تتأسطر ا لفلسفة . وأول من وضع حداً لزمن ا لخرافات وا لجهالات وفتح لنفسه وللناس أبواب ا لنور وا لمعرفة على مصاريعها.

إن هذه ا لفلسفة ا لتي تقول بأنه : " كلما صعدنا قمة تراءت لنا قمم كثيرة يجب أن نصعدها . "

عينت وقررت بشكل لا لبس فيه ولا شبهة أن لا سقف لها تقف عنده ، أو نهاية مطاف تستريح عندها ، بل هي أعلنت ا لنهضة ا لمتجددة أبداً . وا لثورة ا لتي لا تقف عند حد .

وا لمسيرة ا لمتصاعدة الى أبعد ما تستطيعه وتتمكن منه عبقرية الإنسان ونبوغه وإبداعه ، بحيث يصبح ملكوت ا لسموات بنعيمه ونعمه محطة لإنطلاق جديد متجدد الى "حيث لا أذن سمعت ، ولا عين رأت، ولا خـَطـَرَ على قلب بشر . " كما ورد في الحديث الشريف .

وهناك با لذات ، ومن تلك ا لمحطة حيث تلتقي وتتعانق نظرتنا الى ا لوجود بنظرة ما وراء ا لوجود تتراءى للناهضين ا لصالحين من ا لذين فهموا دينهم ودنياهم كما ينبغي أن تـُفهم ا لدنيا ويـُفهم ا لدين ، منارات تجعل ا لوجود أكثر سموّاً، وأكثر جمالاً ، وأكثر بهاءً حيث ا لعظمة ا لتي لا تنتهي ، والسناء ا لذي لا يُحد.

4- حياتية ا لفلسفة ا لقومية ا لإجتماعية

إن أهم مبدأ للوجود ا لمجتمعي هو مبدأ ا لحياة ، وبدونه لا حياة و لا قيمة لأي شيء . فإذا إنعدمت ا لحياة إنعدم كل شيء . فقد ا لوجود قيمته . وفقد الإنسان ـ ا لمجتمع حياته . وسقط ا لفكر . وتلاشت ا لنظرات وا لنظريات، وانهارت عمارات ا لفلسفة وا لعلوم وا لمعارف وا لفنون، ولم يعد للوجود أية قيمة تذكر.

لقد إرتكزت ا لنظرة ا لقومية ا لإجتماعية منذ ا لبداية على مبدأ أساسي متين قوي حقيقي هو ا لإنسان ـ ا لمجتمع كحقيقة أساسية كلية طبيعية موجودة ومعروفة وحيـَّـة ونامية ومتطورة متفاعلة مع بيئتها ا لحاضنة لها كماهي متفاعلة مع نفسها وبذاتها بحيث لا تبقى هي ذاتها إذا فقدت حركتها ا لدينامية ا لمتفاعلة ا لتي أثمرت خلال تطورها ونموها إنسان الشخصية ا لفردية وإنسان ا لشخصية ا لإجتماعية ا للتين لا تستغني ا لواحدة منهما عن الأخرى، ولا تستقيم شخصية الإنسان ـ ا لمجتمع إلا بتفاعلهما وتناغمهما وتوحدهما بحيث لا رقي حقيقي لأيٍ منهما بدون الأخرى. و لا تقدم إلا بتوحدهما في دورة ا لحياة ا لإنسانية ا لنامية .

ا لمجتمع هو ا لكل . وا لفرد خلية حية في ا لكل . ا لفرد إمكانية إجتماعية وهو فعالية إجتماعية إنسانية في ا لوقت ذاته . إنه عين بصيرة في جسم حيّ ، وعمياء حين تقتلع . فإذا زُرعت في جسم حي آخر قبل أن تموت عادت لها فعالية ا لنظر وا لرؤية . وإذا ماتت فلا نفع من زرع ، ولا فائدة من كل ا لعقاقير .

ا لمجتمع كائن كلي حيّ . وا لأفراد إمكانيات إحتماعية حيِّة وفعاليات خلايا فاعلة في دورة حياة ا لمجتمع .

تتجدد خلاياه بتجدده ، ويتجدد بتجدد حركة خلاياه الحيَّةا لمتجددة أرواحاً في روحية . وعقولاً في عقلية .وأنفسا في نفسية .الأفراد يولدون . يتزاوجون .

15

يتوالدون . ويموتون . وبقد ر مايفعلون في ترقية مجتمعهم يكبرون ويخلدون . انهم بموتهم يولدون ويتجددون . انهم في ضمير أجيال أمتهم مستمرون نبوغاً وإبداعاً وعبقرية ً وقيَـماً وفضائل وأفعال وذكرى عاطرة تدفع أرحامهم الى ما يرفع ا لنفوس الى كل ما هو أجمل وأحسن وأسمى . وبنسبة ما يعطـلون ويخربون من طاقات مجتمعهم يصغرون ويتناثرون ويتبخرون .

هذا ا لكائن ا لطبيعي ا لحيّ ا لذي نسميه ا لإنســان ـ ا لمجتمع هو ا لذي يـُعـَبـِّر عن ا لحياة وماهيتها . هو تعبيرها ا لأسمى في هذا ا لوجود . ولأن ا لحياة هي ا لتي تنمو فإن الإنسان ا لذي هو تعبيرها ا لأسمى هو ألإنسان ا لنامي ا لمستمر في نموه . إنه إنسان متجذر في ا لبيئة . في ا لأرض . في ا لكون. ومتواصل في ا لزمان عبر ا لمراحل والأطوار وا لمستويات جيلاً بعد جيل . إنه كل وليس جزء . إنه ا لأجيال منذ كانت الى ما تكون , وليس جيل أو عدة أجيال . إنه حركة ا لتاريخ ا لمتواصلة ا لدائمة في الماضي وا لحاضر وا لمستقبل . بدأ منذ فجر ا لخليقة وليس من حيث يستذوق ا لبعض أن يبدأ . إنه ليس مجموع أفراد . ولا مجموع أجيال . ولا فئات ولا طوائف . بل إن جميع هذه التجمعات لا وجود لها ولا كيان إلا في المجتمع . وهي في حال تشرزمها وانغلاقها واقتتالها فيما بينها تشكل بثور أمراض خطيرة تـؤدي في أحيان كثيرة الى تفتت المجتمع ودماره وهلاكه . أما المجتمع الصحي الحيّ فإن من أهم ميزاته ميزة بروز شخصية الفـرد ، وظهور شخصية الجماعة اللتين تعبران عن طاقة الحياة ، وحيوية النموّ في ألإنسان ـ المجتمع . وبقد ر ما تتوهج الشخصية الفردية موهبة وعبقرية وإبداعا ً من جـهـة .

وشخصية الجماعة رفعة ورقيا ً وتمدنا ً وسموا ً من ناحية ثانية ، فإن الإنسان ـ المجتمع يبرهن ويفصح عن حيوية أكبر ، وجدارة أقوى ، وأهلية أعظم تـُهـيـئه لبلوغ طور التنوع المنسجم المتناغم في تكوين ونشوء الإنسان ـ العالمي الإنساني المتطلع الى أرقى ما يتصوره العقل البشري، وتطمح اليه النفوس الجميلة الخـيـّرة .

16

الفلسفة القومية الإجتماعية بالمفهوم المتقدم هي فلسفة حياة حـيّة حيوية عملية نامية متسامية لا سقف لها في النموّ ، ولا حدود تقف عندها .

فهي تنطلق من ألأرض نحو السماء التي تصبح بدورها قاعدة انطلاق بإتجاه سماوات لا تنتهي ، لتحقيق مـُثـُل عليا لا نستطيع تـصـورها الآن .

إنها فلســفة متجددة بتجدد حيوية الإنسان .

ومنفتحة بنسبة تفتح قواه العقلية . وشاملة ومتوسعة بنسبة توسع واتساع آفاق معرفته.

ومتسامية على قدر تسامي تصوراته وخططهفي تحسين مستوى حياته المدرحية .

هذه بعض الأضواء نسلطها على فلسفة حياتنا الجديدة التي توقظ فينا عوامل النهوض ،وتفجر كل ما تحويه نفوسنا من عزيمة الصراع ومواهب الإبداع لنظل الأمة الجديرة باحتلال مكانها بين ألأمم.

" هـذا ملخص لأول محاضرة القيت ارتجاليا في حلقة اذاعية اعدت للطلبة القوميين الإجتماعيين بعد المحاولة الإنقلابية في لبنان في منزل الرفيق جوزيف رزق الله في الشياح ـ بيروت الذي كان مكلفا برآسة اللجنة المركزية في الحزب السوري القومي الإجتماعي آنذاك ، وقد حضر تلك الحلقة أكثر من أربعين طالبة وطالب نذكر منهم أليدا سـالم ، جيزيل رزق الله , جان نادر ، يـوسـف ســالم ومحمد أمهز شقيق ألأمين محسن أمهز . وذلك في العام 63 وقد نشر هذا الملخص في العام 64 في مجلة الجامعة في بيروت. وقـد علق على هذه المقالة الصحفي والأديب غسان كنفاني يومها بالقول التالي على ما نذكر : " بعد ان فشل الحزب القومي الإجتماعي في محاولته الإنقلابية فإنه يعود الى حرم الجامعة عن طريق الفكر والفلسفة ليضلل الطلبة . أين هي الدولة ؟ وأين هم المسؤؤلون ؟ "وتجدر الإشارة الـى أن الدكتور كمال يوسف الحاج أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية قال بعد قراءة هذا المقال " لقد قلت وأكرر أننا مع أنطون سعادة عرفنا الفلسفة وصـار لنا فلسفة ... "

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مدخل الى الفلسفة المجتمعية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى زهر البيلسان  :: القسم الثقافي :: مواضيع ثقافية-
انتقل الى: